محمد محمد أبو موسى
664
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ولا المعاني اللطيفة الدقيقة دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها . ويدعى ابن الأثير أنه استخرج هذا النوع من كتاب اللّه ، وليس له فيه جهد يذكر ، فإنه لم يزد على أن ذكر نصين من كلام الزمخشري ثم أورد محاورة بين الحسين بن علي رضى اللّه عنه ومعاوية ابن أبي سفيان ، جرى القول فيها من معاوية على طريقة الاستدراج التي جرت عليها النصوص القرآنية المذكورة في هذا الباب . . يقول ابن الأثير : « وقد ذكرت في هذا النوع ما يتعلم منه سلوك هذه الطريقة ، فمن ذلك قوله تعالى : « وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ » « 98 » . . وفي هذا الكلام من حسن الأدب والانصاف ما أذكره لك فأقول : انما قال : « يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » وقد علم أنه نبي صادق وأن كل ما يعدهم به لا بد أن يصيبهم لا بعضه لأنه احتجاج في مقاولة خصوم موسى عليه السلام أن يسلك معهم طريق الانصاف والملاطفة في القول ويأتيهم من جهة المناصحة ليكون أدعى إلى سكونهم اليه فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله وأدخل في تصديقهم إياه فقال : « وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به ، لكنه أردف بقوله : « يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا عن أن يتعصب له ، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل » « 99 » .
--> ( 98 ) غافر : 28 ( 99 ) المثل السائر ج 2 ص 260 ، 261 ، 262 .